mountada el samare
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

فتنة اختلال الأمن

اذهب الى الأسفل

فتنة اختلال الأمن Empty فتنة اختلال الأمن

مُساهمة من طرف Admin الأربعاء يناير 07, 2015 11:56 pm


الخطبة الأولى
أمّا بعد: فيا أيها الناس، إنَّ واقعَنا اليومَ لهو واقعٌ موحِش، تتلاطم فيه ظلماتُ الفِتَن كتلاطُم موج بَحر لُجِّيّ يغشاهُ موجٌ من فوقه موجٌ من فوقه سحاب، ظلماتٌ بعضها فوق بعض. وإنّ غواسِقَ هذه الفتن قد أحاطت بنا من كلِّ جانب، وأخذت بأفئدتنا كلَّ مأخَذ، بل وتخطَّفتنا على غِرَّة كما تتخطَّف الزوابع نِثار الأرض. إنَّها لفتنٌ عمياء صمَّاء بكماء، تَدعُ الحليم حيرانًا واللَّبيبَ مذهولا، ذلكم الحليم الذي رُزق خَصلةً يحبُّها الله ورسوله ، الحليمُ الذي إذا شُتِم صبر وإذا ضُرِب غفَر، إنّه ليُرى إبَّان هذه الفتن حيرانًا من هول الوقع وعِظَم الخطب. وهذه الفتنُ التي تعترينا حينًا بعد آخر إنما هي في حقيقتها تمحيصٌ وابتلاء، لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ [الأنفال:37].
في الصحيحين أنَّ النبيَّ قال: ((ستكون فتنٌ القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خير من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساعي، من تشرَّف لها تستشرفْه)) الحديث[1]، يقول الحافظ ابن حجر في معنى قوله: ((من تشرَّف لها)): "أي: تطلَّع لها بأن يتصدَّى ويتعرَّض لها ولا يُعرض عنها"[2].
أيها المسلمون، لقد تكاثرت في هذه الآونةِ حلقاتُ الإخلال الأمنيّ في المجتمع المسلم، وقلَّت في واقعنا هيبةُ الدم المسلم وحرمتُه وعصمتُه، ولقد أشار المسلم بالسِّلاح على أخيه المسلم، بل وأفرَغ حشوَه فيه، وهذا ما لا كُنّا نعهدُه في زمَن الاستقرار الوارف والطمأنينةِ التي عمَّت المجموع، فما الذي غيَّر الأمرَ عن مجراه؟ ولأيِّ شيء يختلف اليومُ عن الأمس؟ وما هو السبيلُ للخروج من عُنُق الزجاجةِ القاتل؟ هذه كلُّها أسئلةٌ تستدعينا إلى التركيز على أهمِّ المعطَيَات التي ينبغي الوقوفُ أمامها بصِدق والتعامُلُ معها بنيَّة إصلاحِ ما في النفس ليصلِحَ الله ما في الواقع، وهذه المعطياتُ ليست بالقليلة، غيرَ أنَّ العجالةَ تضطرُّنا إلى ذكر الأهمّ، وذلك في الأمور التالية:
الأمر الأوَّل: أنّ الاختلال الأمنيّ المتمثِّلَ في كثرةِ القتل وإزهاق الأنفس البريئة دونَ بُرهانٍ من الله لهو من علامات آخر الزمان المنذِرةِ بدنُوِّ الساعة التي لا يعلَمها إلاَّ الله، ففي الصحيحين أنَّ النبيَّ قال: ((يتقاربُ الزمان، وينقُص العمل، ويُلقى الشحّ، وتظهرُ الفتن، ويكثر الهَرج))، قالوا: يا رسول الله، وما الهرج؟ قال: ((القتل القتل))[3].
والأمر الثاني عباد الله: هو أنَّ استقرارَ المجتمع المسلِم الذي يهنأَ فيه بطعامه ويُسيغ شرابَه ويجعَل نهارَه فيه معاشًا ونومَه سباتًا وليله لباسًا لا يُمكن أن يتحقَّق إلاَّ تحتَ ظلِّ الأمن الوارفِ، فالأمنُ والأمان مطلبٌ مُلِحّ للمجتمعات طُرًّا، لا يُنكر ذلك إلاّ مُكابر أرعَن؛ لأنّ الأمنَ إذا اختلَّ فإنّ مغَبَّته لن تكونَ قاصرةً على المخلِّ به فحسب، بل إنّها ستطال نفسي ونفسَك أيّها المسلم، وولدِي وولدك، وأسرتي وأسرَتك، والواقع المقرَّر هو أنَّ المجتمعَ المتكامِل من جميع جوانبه هو ذلكم المجتمعُ الذي تتحقَّق فيه الأسُسُ الأمنية الثلاثة، ألا وهي الأمنُ العسكريّ والأمن الغذائيّ والأمن الصحِّي، وهذه الأسُسُ الثلاثة لا يمكِن أن تتحقَّق جميعًا دونَ اختلالٍ إلاَّ تحت ظلِّ الإسلام وشِريعته، فلقد صحَّ عن النبي أنه قال: ((من أصبَح آمنًا في سِربه معافًى في جسدِه عنده قوتُ يومِه فكأنَّما حِيزَت له الدنيا بحذافيرها)) رواه الترمذي وابن ماجه[4].
والأمر الثالث عباد الله: أنَّ أحداثَ التفجير الماضِية والتي استهدَفت معصومي الدمِ فيها لهي أمرٌ لا يرضاه دينٌ ولا عقل ولا عُرف، وشجبُه واستنكاره درجةٌ واجبة من درجاتِ تغيير المنكَر، وأما الرِّضا به والفرحُ فهو لونٌ من ألوان الخيانةِ في الباطن، فالنصوصُ الشرعية متكاثِرة في بيان حُرمة المسلم وعِصمة دمه وبيان احترامِ حقِّ السُّلطان المسلم وعدمِ الافتيات عليه وعلى أهلِ العلم، فاللهُ جلّ وعلا يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10]، ويقول سبحانه: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]، ويقول جلَّ شأنه حكايةً عن ابنَي آدم عليه السلام: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ [المائدة:27]، هذه هي حكايةُ ابنَي آدم؛ أنَّ بدايةَ القتل كانت مِن وَلَد ابن آدم.
وفي صحيح البخاري أن النبي قال: ((إذا مرَّ أحدُكم في مسجدِنا أو في سوقنا ومعه نبلٌ فليمسِك على نِصالها ـ أو قال: ـ فليقبِض بكفِّه أن يصيبَ أحدًا من المسلمين منها بشيء))[5]، وفي الصحيحين أنَّ النبي قال: ((من حَمَل السلاحَ علينا فليس منا))[6]، وفيهما أيضًا قوله : ((سِبابُ المسلم فُسوق وقتاله كفر))[7]، وروى الإمام أحمد في مسنده عن الحَسَن البصري أنه قال: إنّ عليًّا رضي الله عنه بعث إلى محمد بن مَسلمَة، فجيء به فقال: ما خلَّفك عن هذا الأمر؟ يعني القتال بينه وبين خصُومه رضي الله عنهم أجمعين، قال: دفَع إليَّ ابنُ عمك ـ يعني النبي ـ سيفًا فقال: ((قاتِل به ما قُوتل العدوّ، فإذا رأيتَ الناس يقتُل بعضُهم بعضًا فاعمَد به إلى صَخْرة فاضربه بها، ثم الزَم بيتَك حتى تأتيكَ منيةٌ قاضية أو يدٌ خاطئة))، فقال عليّ رضي الله عنه: خلُّوا عنه[8]، ونقل ابن عبد البر عن بعض السلف قوله: "أحقُّ الناس بالإجلال ثلاثةٌ: العلماءُ والإخوان والسلطان، فمن استخفَّ بالعلماء أفسَد [دينَه، ومن استخفَّ بالإخوان أفسَد] مروءتَه، ومن استخفَّ بالسلطان أفسد دنياه، والعاقل لا يستخفّ بأحد"[9].
أما الأمر الرابع عباد الله: فهو ضرورةُ تشخيص هذا البلاء تشخيصًا نزيهًا عاريًا عن الشُبُهات والأهواء للوقوف على أسبابِه والبعثِ عن العلاج الأمثلِ له، وأن لا يجاوزَ التشخيصُ موضعَ الداء، بحيث إنه لا يجوز أن يُلقى باللاَّئمةِ إلى غير مرتَكبي تلكم الأحداث، فلا يجوز أن ينسَبَ السبب إلى التديُّن مثلاُ، أو إلى علوم الشريعة ومناهجها، أو إلى العلماءِ والدعاة المخلِصين، فإنَّ السرقةَ في المسجِد لا تستدعي هدمَ المسجد، كما أنَّ عدمَ فَهمِ الشريعة والتديُّن لا يعني إلغاءهما من واقع الحياة، ولو تستَّر لصٌّ في حجابَ امرأة فلا يعني ذلك إلغاءَ الحجاب بالمرَّة.
فليتَّق الله أولئك الذين يشوِّشون عند كلِّ حَدَث سانِح، فيرمون أصالتنا وتمسُّكَنا بديننا ردحًا من الزَّمن بأنه هو سببُ هذه الحوادثِ والمعضلات، فيكون هذا التَّشويش تكأَةً يتَّكئ عليها أعداءُ الإسلام من الكَفَرة الحاقدين ومن المعجَبين بهم، ومبرِّرًا سائغًا لهم في تمرير ما مِن شأنه فرضُ المسوِّغات المشروعة بزعمهم في الضغوط المتتالية على حِياض المسلمين، فيأتيهم مثلُ هذا التهويش والتشويش على طَبَق من ذهب ليجتاحوا بلادَ المسلمين بأدنى الحِيَل، ولا جَرَم ـ عباد الله ـ إذ الخَطَر من قِبَل التشويش الداخليّ أشدُّ وقعًا من التشويش الخارجي، وإنَّ مثَلَ الناعقين عبرَ وسائلَ متعدِّدةٍ في وجه الدين والتديُّن والمناهج النيِّرة والاستقامة المشهودة في المعتَقَد والفكر كمثل ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما عن النبي أنه قال: ((ضاف ضيفٌ رجلاً من بني إسرائيل وفي داره كلبة، فقالت الكلبة: والله لا أنبحُ ضيفَ أهلي، قال: فعَوى جِراؤها[10] في بطنها قال: قيل: ما هذا؟ قال: فأوحى الله عزّ وجلّ إلى رجلٍ منهم: هذا مثلُ أمَّةٍ تكون مِن بعدكم يقهَر سفهاؤها أحلامَها))[11].
وحاصل هذا الأمر ـ عباد الله ـ هو أن يعالَجَ الفكرُ بالفِكر، وأن لا يستغلَّ الخطأ في إذكاء تفريق الكلمة وإضعافِ التديّن، فقد قُتل عليٌّ رضي الله عنه بأشدَّ من هذا ولم يُلقَ باللائمة على الدين وأهله، وإنما كانت اللاَئمةُ والرَّدع على ذوي الفِكر أنفسِهم وهم الخوارج الذين خرجوا عليه ورأوا أنَّ قتلَه رضي الله عنه وتخليصَ الأمة منه من أعظم القُرُبات إلى الله بزعمهم عليهم من الله ما يستحقّون، بل لقد وصفَ أحدُ شعرائهم عبدَ الرحمن بنَ مُلجم قاتلَ عليّ رضي الله عنه بأنه أوفى البريَّة عند الله ميزانًا، والقائلُ هو عِمران بن حِطّان الخارجي الذي قال مادِحًا قاتل علي:
يا ضربةً من تقيٍّ ما أراد بها إلاَّ ليبلغَ من ذي العرش رضوانًا
إني لأذكُره يومًا فأحسـبه أوفى البريـّة عنـد الله ميزانـا[12]
كبُرت كلمةً تخرجُ من فمه، إن يقولُ إلاَّ كذبًا.
وقد ردَّ عليه بعضُ أهل السنة بقوله:
بل ضربةٌ من شقيّ أوردته لظى وسوف يلقى بها الرحمن غضبانا
إني لأذكـرُه يومـًا فألعنـه أيضًا وألعنُ عِمـرانَ بنَ حِطّانا[13]
والشاهد من هذا ـ عباد الله ـ أنَّ الصحابةَ رضي الله عنهم لم يثنِهم فعلُ الخوارج عن زيادةِ تمسُّكهم بدينهم واستلهام لُطفِ الله ورحمته بهم والثباتِ على الدين رغمَ ما اعتراهم من نوابتَ شذّت عن سوادِهم الأعظم.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [المائدة:105].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلت ما قلت، إن صوابًا فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنّه كان غفارا.


[1] صحيح البخاري: كتاب الفتن (7081، 7082)، صحيح مسلم: كتاب الفتن (2886) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[2] فتح الباري (13/31).
[3] صحيح البخاري: كتاب الفتن (7061)، صحيح مسلم: كتاب العلم (157) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[4] سنن الترمذي: كتاب الزهد، باب: التوكل على الله (2346)، سنن ابن ماجه: كتاب الزهد، باب: القناعة (4141) من حديث عبيد الله بن محصن الأنصاري، وأخرجه أيضا البخاري في الأدب المفرد (300)، والحميدي في مسنده (439)، قال الترمذي: "حديث حسن غريب". وله شواهد من حديث أبي الدرداء وابن عمر وعلي رضي الله عنهم. انظر: السلسلة الصحيحة للألباني (2318).
[5] صحيح البخاري: كتاب الفتن (7075) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وأخرجه أيضا مسلم في البر (2615).
[6] صحيح البخاري: كتاب الفتن (7070، 7071)، صحيح مسلم: كتاب الإيمان (98، 100) عن ابن عمر وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما. وصح أيضا من حديث سلمة بن الأكوع وأبي هريرة رضي الله عنهما عند مسلم في الإيمان (99، 101).
[7] صحيح البخاري: كتاب الفتن (7076)، صحيح مسلم: كتاب الإيمان (64) عن ابن مسعود رضي الله عنه.
[8] مسند أحمد (4/225)، وأخرجه من طريقه الطبراني في الكبير (19/235)، قال ابن حجر في الإصابة (6/34): "الحسن لم يسمع من محمد بن مسلمة"، فهو لم يشهد القصة. وأخرجه ابن سعد في الطبقات (3/444)، وابن أبي شيبة (15/22) من طريق أخرى عن الحسن عن محمد بن مسلمة بالمرفوع وليس فيه قصة علي رضي الله عنه، وروى أيضا المرفوعَ غير الحسن عن محمد بن مسلمة، فهو بمجموع طرقه ثابت إن شاء الله، قال الحاكم في المستدرك (3/127): "فبهذه الأسباب وما جانسها كان اعتزال من اعتزل عن القتال مع علي رضي الله عنه وقتال من قاتله".
[9] نُقل هذا الكلام عن ابن المبارك رحمه الله، انظر: سير أعلام النبلاء (17/251).
[10] قال الرامهرمزي في الأمثال (ص100): "الجِراء جمع جِرو بكسر الجيم، وهو ولد الكلبة. وعوى الكلب إذا صاح، وهو العُواء بضم العين ممدود. وهذا مثل في استعلاء السفهاء وتطاول الأشرار. والسفه نقيض الحلم، وهو في معنى الجهل، وأصله التنقّص في العقل، ويستعمل في بذاء اللسان ورفث القول".
[11] مسند أحمد (2/170)، وأخرجه أيضا البزار (2412)، والرامهرمزي في الأمثال (60)، قال الهيثمي في المجمع (7/280): "فيه عطاء بن السائب وقد اختلط"، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (3812).
[12] انظر: المحلى (10/484)، والاستيعاب (3/1128)، والسير (4/215)، والإصابة (5/303).
[13] انظر: الاستيعاب (3/1129)، والإصابة (5/303) نحوه.



الخطبة الثانية
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده.
وبعد: فاتقوا الله معاشرَ المؤمنين، واعلموا أنَّ تمَّتَ أمرًا خامسًا لا يقلّ أهميِّةً عمّا مضى ذكرُه، ألا وهو التأمُّل في الحال والواقع ومحاسبةُ النفس على التقصير والتفريط في جنب الله وإصلاحُ مواطن الخَلل في النفس والمجتمع، فإنه ما نزل بلاءٌ إلا بذنب، ولا رُفع إلاَّ بتوبة صادقةٍ إلى الله، وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ [البقرة:155]، وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112]، وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا [الإسراء:16].
إنَّ الذنوبَ والمعاصي وضعفَ التمسُّك بشريعة الله في النفس والمالِ والمجتمَع لهي مِن دواعي الاختلال الأمنيّ وترادُف الكوارث والخطوب، ما يستدعي اللُّجوءَ إلى الله وارتقاب لُطفه وتغيير ما في النفس ليغيِّر الله الحالَ إلى ما هو خير، إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ[الرعد:11].
روى البيهقي وابن ماجه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنتُ عاشرَ عشرة رهطٍ من المهاجرين عند رسول الله ، فأقبل علينا بوجهه فقال: ((يا معشر المهاجرين، خمسُ خصال أعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرتِ الفاحشةُ في قوم حتى أعلَنوا بها إلاَّ ابتُلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضَوا، ولا نَقَص قومٌ المكيالَ إلا ابتُلوا بالسنين وشِدّة المؤونة وجَور السلطان، وما منع قومٌ زكاةَ أموالهم إلاَّ مُنِعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطَروا، ولا خَفَر قومٌ العهدَ إلاَّ سلَّط الله عليهم عدوًّا من غيرهم فأخذوا بعضَ ما في أيديهم، وما لم يعمَل أئمَّتُهم بما أنزل الله في كتابه إلاَّ جعَل الله بأسَهم بينهم))[1]، ولقد صدق الله: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:165].
هذا وصلّوا ـ رحمكم الله ـ على خير البرية وأزكى البشرية محمّد بن عبد الله بن عبد المطلب صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنّى بملائكته المسبِّحة بقدسه، وأيّه بكم أيها المؤمنون، فقال جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].
اللهمّ صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة...
Admin
Admin
Admin

المساهمات : 835
تاريخ التسجيل : 29/03/2014
الموقع : gmail.forumalgerie.net

https://gmail.forumalgerie.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

فتنة اختلال الأمن Empty مفهوم الأمن في الإسلام

مُساهمة من طرف Admin الأربعاء يناير 07, 2015 11:58 pm

الخطبة الأولى


أما بعد:

فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله سبحانه، فإنها الأمن عند الخوف والنجاة عند الهلاك، بها يشرف المرء وينبل، وبالنأي عنها يذل العبد ويسفل، هي وصية الله للأولين والآخرين، فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون.

أيها الناس:

في ظل الأمن والأمان تحلو العبادة، ويصير النوم سباتاً، والطعام هنيئاً، والشراب مريئاً، الأمن والأمان، هما عماد كل جهد تنموي، وهدف مرتقب لكل المجتمعات على اختلاف مشاربها.

بل هو مطلب الشعوب كافة بلا استثناء، ويشتد الأمر بخاصة في المجتمعات المسلمة، التي إذا آمنت أمنت، وإذا أمنت نمت؛ فانبثق عنها أمن وإيمان، إذ لا أمن بلا إيمان، ولا نماء بلا ضمانات واقعية ضد ما يعكر الصفو في أجواء الحياة اليومية.

إطراء الحياة الآمنة هو ديدن كل المنابر، لما للأمن من وقع في حس الناس، من حيث تعلقه بحرصهم على أنفسهم، فضلاً عن كونه هبة الله لعباده، ونعمة يغبط عليها كل من وهبها ولا غرو في ذلك.

وقد صح عنه  أنه قال: ((من أصبح آمناً في سربه، معافىً في بدنه، عنده قوت يومه؛ فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها)).

بضعف الأمن وانحلاله؛ تظهر آثار خبث الشيطان، وألاعيبه هو وجنده من الجن والإنس، وإقعاده بكل صراط، يوعد بالأغرار من البشر، ويستخفهم فيطيعونه؛ فيبين حذقه وإغواؤه، محققاً توعده بقوله : لاقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ  ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ[الأعراف:16-17].

إن المزايدة على الأمن والأمان في مجتمعات المسلمين بعامة، لهو مدعاة للسخرية والفوضى، المفرزين للممارسات الشاذة والإخلال المرفوض بداهة، والمهدد لسفينة الأمان الماخرة، كل ذلك غير مستساغ شرعاً ولا عقلاً، ولا قبول له تحت أي مبرر كان.

بل كل مزايدة في اختلال الأمن والأمان، إنما هو من نسيج الأعداء المتربصين بنا، وإن استعملوا في نفاذ اختلاله، اللهازم من أبناء أمتنا وأغرارهم؛ من أجل سلب أمن الأمة المسلمة ومقدراتها بكل ما تعنيه الكلمة.

إن المرء المسلم في فسحة من دينه، عن أن يزج بنفسه في مهاوي الرذيلة ومحال الريب.

ومزعزع الأمن ومخلخله إنما هو بادي الرأي يزعزع أمن نفسه ووالديه وبقية أسرته، قبل أن يزعزع أمن غيره من الناس.

كل هذا يبدو واضحاً جلياً، في مثل كأس خمر، أو قتل نفس، أو جرعة مخدر، أو هتك عرض، أو إحلال فساد بين الخلق، بمثل ذلك ينسلخ مواقع مثل هذه الأمور عن إنسانيته وإسلاميته، ويتقمص شخصية الإجرام والفتك، والفاحشة والإضلال بالمسلمين؛ فيشل الحياة، ويهدم صرح الأمة، ويوقع مجتمعه وبني ملته في وهدة الذل والدمار؛ فيخل بالأمن ويروع المجتمع، ويبدد أمنهم شذر مذر.

إنه متى امتد شذوذ المرء ليشمل الآخرين، ويمس من أهله ومجتمعه فإنه لا محالة، يعرض نفسه لحتفه بالغاً ما بلغ من العنفوان والشجاعة، وإلا لو فكر مزعزع الأمن ملياً في مصير والده ووالدته حينما تأخذهما الحسرات كل مأخذ، وهما اللذان ربياه صغيراً، يتساءلان في دهشة وذهول، أمِن المعقول أين يكون من ولدناه تحت ناظرنا معول هدم لأمن المجتمع وصرحه؟!!

أما يفكر مزعزع الأمن في زوجه وأولاده الذين يخشى عليهم الضياع من بعده والأسى من فقده؟! ألا يشعر بأن زوجه أرملة -ولو كان حياً؟!-.

أو ما يشعر بأن أولاده أيتام ولو كان له عرق ينبض؟!

وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضِعَـٰفاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً [النساء:9].

أولا يفكر مزعزع الأمن كيف يحل عليه الضعف محل القوة، والهم من نفسه محل الفرح، والكدر مكان الصفاء؟!

حيث لم يعد يؤنسه جليس ولا يريحه حديث، قلق متوجس، كثير الالتفات. فكيف يصل إلى منشوده ومبتغاه؟! بعد أن يسأم الحياة بفعله الشاذ، والذي سيجعله قابعاً في غياهب السجون بسبب جرمه ، فضلاً عما يخالج أنفاسه وأحاسيسه، من ارتقاب العقوبة كامنة عند كل طرقة باب، لا سيما إن كان في هذه العقوبة حتفه وتغييبه من هذه الحياة.

ولا غرو في ذلك، فإن في قتل مجرم واحد حياة هنيئة لأمة بأكملها وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ يأُولِي ٱلالْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:179].

وقديماً قيل: القتل أنفى للقتل.

أيها المسلمون: من أجل استتباب الأمن في المجتمعات جاءت الشريعة الغراء بالعقوبات الصارمة، وحفظت للأمة في قضاياها ما يتعلق بالحق العام والحق الخاص.

بل إن من المسلّم في الشريعة، قطع أبواب التهاون في تطبيقها أياً كان هذا التهاون، سواء كان في تنشيط الوسطاء في إلغائها، أو في الاستحياء من الوقوع في وصمة نقد المجتمعات المتحضرة.

فحفظاً للأمن والأمان؛ غضب النبي  على من شفع في حد من حدود الله بعدما بلغ السلطان، وأكد على ذلك بقوله: ((وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)).

وما ذاك أيها الناس، إلا من باب سد الذريعة المفضية إلى التهاون بالحدود والتعزيرات، أو التقليل من شأنها.

وإنه حين يدب في الأمة داء التسلل الأمني؛ فإن أفرادها بذلك يهيلون التراب على تراث المسلمين، ويقطعون شرايين الحياة عن الأجيال الحاضرة، والآمال المرتقبة.

وهم يخدمون بمثل هذا - عن وعي أو عن غباء – الغارة الاستعمارية على ديار المسلمين، من خلال أعمال خرقاء تزيد السقم علة، والطن بلة؛ فيطاح بالمسلمين، وتوصد أبوابهم أمام الحياة الهانئة الآمنة.

ومثل هذا ظاهر جلي في طرح الدعوات الصارخة لما يسمى بمبادئ حقوق الإنسان، والتي تجعل من فتح الحريات، وعتق الرغبات، رفضاً باتاً للفطر السليمة، وسبباً مباشراً تدمر به الأخلاق المستقيمة؛ ومن ثم يزعمون أن من خالف ذلك فهو ضد الإنسان والإنسانية، وضد الحقوق الشخصية والرغبات الفردية، وهي في الحقيقة ليست من الإنسانية في شيء، ولا هي من بابتها، فلا تمت لها بخيط رقيق، ولا حبل متين.

بل إن ما ينمق حول ذلك ويذوق مُرّ العاقبة وإن حلا ظاهره، وصعب المرتقى وإن سهل ترويجه، وذميم الطرح مهما بدت للاهثين دماثته.

لقد سفهت دعوات حقوق الإنسان أحكام الشريعة، فوصفت إقامة الحدود بالسفه والحطة والغلظة. دعا أهلها إلى حفظ حقوق الإنسان فقتلوه من حيث أرادوا حفظ حقه، أخرجوه من القيود الشرعية حرصاً عليه، فإذا بهم في نهاية المطاف يدركون أنهم إن ما كانوا ينادون بحفظ حقوق الإنسان المجرم، فإلى الله المشتكى.

أيها المسلمون: القاعدة المقررة تقول: إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولأجل أن نعرف حقيقة الأمن وصورته فلابد أن تكون هذه المعرفة متصفة بالشمولية، وأن لا تكون ضيقة العطن، مستهجنة الطرح، من خلال قصر بعض الأفهام حقيقة الأمن على ناحية حماية المجتمع من الجرائم فحسب، وأن يقصر مفهوم حمايته على جناب الشرط والدوريات الأمنية في المجتمعات بعامة. كلا، فالحديث عن الأمن ليس مقصوراً على هذا التصور البسيط، إذ الحقيقة أشد من ذلك والخطب أعظم.

بل إن المواطن نفسه – رجلاً كان أو امرأة – ينبغي أن يكون رجل أمن، ورجل الأمن ما هو إلا مواطن صِرْف.

فإذا استحضرنا هذا التصور بما فيه الكفاية، وجب علينا بعد ذلك أن نعلم شمولية الأمن، وأنه ينطلق بادي الأمر في عقيدة المجتمع، وارتباطه الوثيق بربه، والبعد عن كل ما من شأنه أن يوقع أفراده في الخوف بدل الأمن، والزعزعة بدل الاستقرار.

فأول الواجبات الأمنية : البعد عن الشرك بالله في ربوبيته، أو ألوهيته، أو حكمه، أو الكفر بدينه، أو تنحية شرعه عن واقع الحياة، أو مزاحمة شرع غير شرعه معه بالغة ما بلغت المبررات المغلوطة. ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ ٱلاْمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ [الأنعام:82].

الأمن بهذه الصورة هو المطلب الأول، وهو الذي تتحقق به الصلة بالله جل وعلا، والتي بسببها يعم الأمن إرجاء المجتمعات، وتتحقق وعد الله لها بقوله: وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلأرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً[النور:55]. فكان الجواب التالي لذلك يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً [النور:55].

والشرك هنا غير مقصور على مجرد عبادة الأصنام، كما يتصوره البعض، فيخرجون معنى هذه الآية عن صور شتى في هذه الأزمنة.

فكلمة شَيْئاً نكرة في سياق النهي؛ فتعم جميع صور الشرك مهما قلّت، ألا تسمعون قول الله تعالى: فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَـٰلِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63].

وقد ذكر الإمام أحمد -رحمه الله -: أن الفتنة هنا هي الشرك.

ثم إن مما ينبغي علينا اتجاه مفهوم الأمن ألا ننحيه عن مراكز القوى في مجتمعاتنا، أو نتجاهل أثر هذه المراكز في تحقيق معنى الأمن بصورته الأساس.

فهناك ما يسمى بالأمن الغذائي، وما يسمى بالأمن الصحي الوقائي، وهناك ما يتعلق بالضوابط الأمنية في مجال التكافل الاجتماعي، وتهيئة فرص العمل والإنتاج، والقضاء على البطالة المثمرة الخلل والفوضى، إضافة إلى النواح الأمنية المنبثقة من دراسة الظواهر الأسرية وما وما يعتريها من ثقوب واهتزاز في بُنيتها التحتية، لأن الأمن بين الجنسين وبالأخص بين الزوجين هو سبب ولاشك من أسباب أمن العشيرة، وأمن العشيرة أمن للأمة، المؤلفة من العشائر، المؤلفة من الأزواج.

فهذا الأمن المترابط هو الذي يتكون منه مزاج الأمة الأمني.

كما يجب علينا أن لا نغفل عما لا يقل أهمية عن ما مضى، بل إنه في هذه العصور يعد هاجساً أمنياً لكل مجتمع، ألا وهو الأمن الفكري، الأمن الفكري الذي يحمي عقول المجتمعات ويحفظها من الوقوع في الفوضى، والعَبِّ من الشهوات بنهم، أو الولوغ في أتون الانسلاخ الأخلاقي الممزق للحياء الفطري والشرعي.

الأمن الفكري – عباد الله – ينبغي أن يتوج بحفظ عنصرين عظيمين؛ ألا وهما: عنصر الفكر التعليمي، وعنصر الأمن الإعلامي، إذ يجب على الأمة من خلال هذين العنصرين ألا تقع في مزالق الانحدار والتغريب، والتي هي بدورها تطمس هوية المسلم، وتفقده توازنه الأمني والاعتزاز بتمسكه بدينه، إذ إن الأمن على العقول، لا يقل أهميته عن أمن الأرواح والأموال، فكما أن للبيوت لصوصاً ومختلسين، وللأموال كذلك؛ فإن للعقول لصوصاً ومختلسين.

بل إن لصوص العقول أشد خطراً، وأنكى جرحاً من سائر اللصوص.

فحماية التعليم بين المسلمين من أن يتسلل لِواذاً عن هويته، وحماية التعليم في إيجاد الآلية الفعالة في توفير سبل العلم النافع؛ الداعي إلى العمل الصالح، والبعد عن التبعية المقيتة، أو التقليل من شأن العلوم النافعة، والتي لها مساس أساس في حياة الأمم، من الحيثية الشرعية الدينية، التي يعرف بها المرء ربه، وواجبه المفروض عليه، أو التهوين من شأن علوم الدين أو استثقالها على النفوس، لمن شأن ذلك كله أن تضعف المجتمعات بسببه، وأن تندرس معالم الأمن الفكري فيه إبّان عصر التحكم المعرفي، والاتصالات العلمية والثقافية التي غلبت على أدوار الأسر والبيئات، التي تنشد الصلاح العام.

أما الفكر الإعلامي – عباد الله – فهو مقبض رحى المجتمعات المعاصرة، وأقنومها الأساس، به يبصر الناس وبه يغربون، به تخدم قضايا المسلمين وتنصر، وبه تطمس حقائقها وتهدر.

بالفكر الإعلامي تعرف المجتمعات الجادة من المجتمعات المستهترة، المجتمعات المثلى من المجتمعات الناكبة.

فما يكون في الفكر الإعلامي من اعتدال وكمال، يكون كمالاً في بنية الأمن الإعلامي واعتدالاً، وقرة عين لمجموع الأمة بأكملها، وما يطرأ عليه من فساد واعتلال فإنه يكون مرضاً للأمة، يوردها موارد الهلكة والتيه.

وحاصل الأمر – عباد الله – أنه ينبغي علينا جميعاً، أن ننظر إلى الحقيقة الأمنية من أوسع أبوابها، وأقرب الطرق الموصلة إليها، بل لا نُبعد النجعة إن قلنا : ينبغي على المسلمين جميعاً ألا يغفلوا جانب أسلمة الأمن الفكري.

فالإسلام هو دين السلام، وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ [آل عمران:85].

ولله، ما أعظم قول النبي  لعظيم الروم: ((أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، أسلم تسلم)).

بارك الله لي ولكم في القران العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

قد قلت ما قلت، إن صواباً فمن الله وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفاراً.



الخطبة الثانية


الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله أيها المسلمون.

ثم اعلموا أن من أهم الوسائل الموصلة إلى الراحة الأمنية من كافة جوانبها، دون كلفة أو تجنيد وإعداد؛ هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم.

فإن ذلك عماد الدين الذي فضلت به أمة الإسلام على سائر الأمم، والذي يسد من خلاله خوخات كثيرة من مداخل الشر على العباد.

بالنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تتكاتف الجهود، ويلم الشعث، ويرأب الصدع،  وتتقى أسباب الهلاك، وتدفع البلايا عن البشر.

وبفقد ذلك أو تزعزعه من نفوس الناس، يعني بداهة حلول الفوضى، وانتشار اللامبالاة المولدة للأمن العكسي، وهو الأمن من مكر الله، أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ [الأعراف:99].

بالأمر والنهي – عباد الله – يصلح المجتمع، ويقوم الفرض الكفائي الذي يسقط التبعة والإثم عن بقية المجتمع، وإلا يتحقق فينا قول الباري جل شأنه: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117]. ولم يقل وأهلها صالحون؛ لأن مجرد الصلاح ليس كفيلاً بالنجاة من العقوبة الإلهية الرادعة.

الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر بين المسلمين، إنما هم في الحقيقة يقومون بمهام الرسل في أقوامهم وذويهم.

فبقدر الاستجابة لنصحهم تكون الحجة والنجاة، والعكس بالعكس، وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِى أُمّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَـٰتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَـٰلِمُونَ [القصص:59].

إن انعدام النصح بين المسلمين سمة من سمات اليهود، ومعرة من معراتهم الخالدة، فقد كانت مواقفهم في الصيد يوم السبت عن طريق الحيلة مشهورة، حتى أعلن الفسقة منهم بصيده؛ فنهضت فرقة منهم ونهت عن ذلك، وجاهرت بالنهي واعتزلت، وفرقة أخرى لم تعص ولم تنه، بل قالوا للناهين: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا [الأعراف:164].

فلما لم يستجب العاصون أخذهم الله بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون، فنص الله على نجاة الناجين بقوله: فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوء [الأعراف:165]. وسكت عن الساكتين.

روى ابن جرير بسنده عن عكرمة، قال: دخلت على ابن عباس – رضي الله عنهما – والمصحف في حجره، وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك يا ابن عباس؟ جعلني الله فداك، فقال: (هؤلاء الورقات)، وإذا هو في سورة الأعراف، فقال: (ويلك، تعرف القرية التي كانت حاضرة البحر؟ فقلت : تلك أيلة، فقال ابن عباس : لا أسمع الفرقة الثالثة ذكرت! نخاف أن نكون مثلهم، نرى فلا ننكر، فقلت: أما تسمع الله يقول: فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ؟ [الأعراف:166]. فسري عنه، وكساني حلة).

إذاً ينبغي لأفراد الناس عموماً، وأهل العلم بخاصة؛ أن يقوموا بواجب النصح  لمجتمعاتهم وأسرهم ومنتدياتهم، على الوجوه التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، حكمة، وموعظة حسنة، ومجادلة بالتي هي أحسن، وإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

ثم إنه لا يمنع من التمادي في الوعظ والنصح والإصرار عليه عدم قبول الحق منه؛ لأنه فرض فرضه الله علينا جميعاً، قُبل أو لم يُقبل، فإن هذا هو الذي يحفظ للأمة كيانها بأمر الله، وبه تكون المعذرة إلى الله، ويكون الخروج من التبعية وسوء المغبة.

والله الهادي إلى سواء السبيل.
Admin
Admin
Admin

المساهمات : 835
تاريخ التسجيل : 29/03/2014
الموقع : gmail.forumalgerie.net

https://gmail.forumalgerie.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

فتنة اختلال الأمن Empty الأمّة بين تخريب القريب وعدوان الغريب

مُساهمة من طرف Admin الخميس يناير 08, 2015 12:02 am

لخطبة الأولى
أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].
عبادَ الله، إنّ القلبَ ليحزن وإن العقلَ ليذهَل حين يرقُب المسلم هذه الأحداثَ التي ابتُليت بها هذه البلاد من أقوامٍ ضلّوا الطريقَ وتلوّثت عقولهم بأفكارٍ خاطئة، أعمال مهما كان فاعلها ومهما كانت حجّتُه ودافعه فهي تتضمّن مفاسدَ كبيرة وشرورًا عظيمة، فيها قتلُ الأنفس المسلمة ظلمًا وعدوانا، قال الله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]، وقال رسول الله : ((لن يزال المؤمن في فُسحةٍ من دينه ما لم يُصِب دمًا حرامًا)) أخرجه أحمد والبخاري[1]، وقال رسول الله : ((لزوالُ الدنيا أهون على الله من قتل رجلٍ مسلم)) أخرجه الترمذي[2]، وقال رسول الله : ((لو أنّ أهلَ السماء وأهلَ الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبَّهم الله في النار))[3]، وحين قتَل أسامة بن زيد رجلاً تأوُّلاً بعد أن سمعه ينطَق بالشهادة قال له رسول الله : ((أقتلتَه بعد أن قال: لا إله إلا الله؟!))[4].
إنّ هذه الأعمالَ التي تحصدُ أرواحَ العشرات من المسلمين لا تقوم على أساسٍ شرعيّ، ولا تقبلها العقولُ السليمة والفِطر السويَّة، وهي فِعلة مستهجَنة شنعاء، تتضمّن البغيَ والظلم، فليس من أخلاق المؤمن الإقدامُ على تفجير نفسه وقتل الغير وقطع الفريقِ على المسلمين وتهديدهم بالسّلاح والاعتداء على سياراتهم، بل هذه من أخلاق قُطّاع الطرُق المفسدين الأرض، قال رسول الله : ((من قتل نفسَه بحديدةٍ فحديدته في يده يتوجَّأ بها في بطنِه في نار جهنّم خالدًا مخلَّدًا فيها أبدًا، ومن شرِب سُمًّا فقتل نفسَه فهو يتحسّاه في نار جهنّم خالدًا مخلّدًا فيها أبدًا، ومَن تردّى من جبلٍ فقتل نفسَه فهو يتردّى في نار جهنّم خالدًا مخلَّدًا فيها أبدًا)) أخرجه مسلم[5].
في هذه الأعمالِ حملُ السّلاح على المسلمين وقد أخرج البخاريّ ومسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((لا يشير أحدُكم على أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري لعلّ الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرةٍ من النار))[6].
فيها مفارقةُ الجماعة وشقُّ عصا الطاعة، وهي كبيرة من الكبائر، قال رسول الله : ((من خرج من الطاعة وفارق الجماعةَ فمات مات ميتةً جاهلية)) أخرجه مسلم[7]، وقال : ((من فارق الجماعةَ شبرًا فقد خلع رِبقةً الإسلام من عُنقِه)) أخرجه أحمد وأبو داود[8].
فيها الاعتداءُ على رجال الأمن، وهذه جريمةٌ كبرى؛ لأنهم في الأصل مسلمون، والمسلم في شريعة الإسلام معصومُ الدمِ والعِرض، ولا يختلف المسلمون في تحريم الاعتداء على الأنفسِ المعصومة، ومهما كان من معاصٍ وأخطاء فليس هذا من الإصلاح، وهل يكون الإفساد والعبثُ بالأرواح والأمن إصلاحًا؟!
والذين يدعون إلى الجهاد دونَ النظر إلى آثار القتال غاب عنهم الهدفُ الأسمى الذي شرِع من أجله الجهاد، وهو إقامةُ الدين ورفعُ راية التوحيد؛ لأنّ القتالَ إذا أدّى إلى فتنةٍ ممنوعٌ شرعًا وعقلاً.
هذه الأعمالُ تُشيع الهلَعَ وتثير الفزع، ولا يجوز ترويع المؤمنين، تؤجِّج نارَ الفوضى، وخطورةُ ذلك لا تخفى، تشعِلُ شرارةَ فتنةٍ داخلية، تُدمَّر فيها الطاقات، وتهدَر فيها المكتسبات، وتُشتَّت الجهود، وتعيق بناءَ الخير والتنمية، وتُعطِّل مشاريعَ الإصلاح، وتشوّه مناشِط الخير وما يرتبط بها.
إنّ التفريطَ في أمن المجتمع تدميرٌ له ولمكتسباته ودعائمه، لذا يجب علينا جميعًا أن نسعَى للحفاظ على هذا الأمن بسدِّ الثغراتِ التي يمكن أن تُحدِث شرخًا في المجتمع أو تجعلَ جسدَه مثقَلاً بالجراح، فيشغَل بردمها عن دوره ورسالته وبناء مجتمعه وأمَّته.
بيَّن القرآن الكريم أنّ سمةَ المنافقين زعزعةُ أمن المجتمع والإفساد فيه وإشاعةُ الفتنة بدعوى الإصلاح، قال الله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ  أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ[البقرة:11، 12].
إذا تفيَّأ المجتمعُ ظلالَ الأمن والأمان وجدَ لذّةَ العبادة وذاق طعم الطاعة، يكون اليوم سباتًا والطعامُ هنيئًا والشراب مريئًا، فالأمن مطلَبٌ أساسٌ لجميع الناس، خاصّة في المجتمعات المسلمة التي تتمتّع بالإيمان، إذ لا أمنَ بلا إيمان، وقد قال رسول الله : ((من أصبح منكم آمِنًا في سِربه معافًى في بدنه عنده قوتُ يومه فكأنما حِيزت له الدنيا))[9].
بالأمن تُعمَّر المساجِد، وتُقام الصلوات، وتُحفَظ الأعراض، وتؤمَّن السُبُل، وينشَر الخير، وتقام الحدود، وتنتشر الدعوة، وتُطبَّق الشريعة، وإذا اختلَّ الأمن حكم اللصوصُ وقُطّاع الطرق.
إذا ضعُف الأمن اشتعلت الديار وأحالت قلوبَ المؤمنين ذُعْرًا، وصُرِع إخوانُ الإسلام والعقيدة، وقد يُستخدَم لزعزة الأمن بعضٌ من المغرَّر بهم.
هذه البلادُ كغيرها من البلدان تعيش مرحلةً خطيرة ومنعطفًا صَعبًا، فلا بدّ من تماسُك الصفّ مع بذل النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطريقُ التغيير الإصلاحُ والبناء لا الهدم والتدمير.
على الجميع أن يُحِسّوا بواجبهم الشرعيّ لرأب الصَّدع في البناء، ومعظَم النار من مستصغَر الشرر، وإنّ فتنًا عظيمةً في أُممٍ ماضيةٍ ودُوَلٍ حاضرة كان أولّها شرارةً يسيرة، تساهل أولو العلم والرأي في إطفائِها، فألهبت الأرض جحيمًا لا ينطفئ ودمًا لا ينقطع وفتنةً تركت الحليم حيرانًا.
أمنُ الفردِ جزءٌ من أمنِ مجتمعه، وتوطيد الأمن يستلزم أن يؤدّيَ كلّ فردٍ مسؤوليتَه في حِفظ الأمن، قال رسول الله : ((كلُّكم راع، ولكّكم مسؤول عن رعيته))[10].
إنّ شناعةَ الجريمة جليّة لا تكتنفُها شبهة، وناصعة لا شكَّ فيها، وممّا يثير العجَب كيف غيَّب هؤلاء نصوصَ الشرع وعقولهم حتى أراقوا دماءَ الأبرياء، وأسبَلوا دموعَ الثكالى، وأجَّجوا لوعَة كلِّ مسلم، وأحلّوا قومَهم دارَ البوار.
بماذا سيجيبون عن دماءِ المسلمين التي سالت وأشلاء بريئةٍ تناثرت وأفعالٍ طار بها العدوّ فرحًا وأحدثت شرخًا في لُحمة المجتمع وبنائه الداخلي؟!
إنّ الأمّة تعيش مآسيَ في مشارق الأرض ومغاربها، فلِمَ ينبري فئامٌ من بني جلدتِنا لإيقاد فتنٍ داخلية واحترابٍ لا مسوِّغ له؟! لن يكونَ فيه كاسبٌ سوى العدوّ المتربِّص، وسنبوء جميعًا بآثارها، ونُلذع بشَررها.
الأمّةُ ـ عباد الله ـ تضجّ ألمًا وتكتوي لوعةً وأسًى، ويشتدّ البلاء ويعظُم الخطب حين يُحدَث الخرق من الأقربين، والتاريخُ بأحداثه على مرِّ العصور يكشِف للأمّة أن أبرزَ مصائبها ولأوائها وخلخلةِ أركانها دبّ من داخلها، قال تعالى: الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف:104]، الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ [الشعراء:152].
على شبابِ المسلمين التبصُّر في أمورِهم والتزوُّد من العلم النافع، ومن زلَّت به القدَم أن يعودَ إلى الله ويرجع، فإنّ التائبَ من الذنب كمن لا ذنبَ له.
من أعظمِ أسباب الفِتن الذنوبُ والمعاصي التي تزيل النعمَ وتجلِب النقَم، والواجب على الأمّة كلِّها صغارًا وكبارًا حكَّاما ومحكومين التوبةُ إلى الله، قال الله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى:30].
الأمّة إذا أرادت الأمنَ والأمان والسّلامة والاستقرار فلا بدّ أن تتّقيَ الله وتلتزم جادّةَ الاستقامة والطاعة لله ولرسوله، وإنّ التحصينَ لشبابنا هو ترسيخُ المنهج الوسَط للإسلام، ونشرُ العلم الشرعي في المدارس والجامعات والمساجد، ونبذُ الأفكار المنحرفة المتشدّدة أو المتساهلة، مع عدم إرسالِ التُّهَم دونَ تأنٍّ وتثبُّت، أو تعميم الأخطاءِ والتشكيك في منابِر الدعوة والإصلاح، ولا يقوله إلاّ حاقِد أو حاسد، يروم الاصطياد في الماء العَكِر.
نسأل الله أن يحفظَ علينا أمننا وإيماننا وسِلمَنا وإسلامنا، وأن يعيذَنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، كما أسأله أن يرينا الحقَّ حقًا ويرزقنا اتّباعه، ويرينا الباطلَ باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وأن يرحمَ المتوفَّين من المسلمين في هذا الحادثِ وغيره، ويُلهم ذويهم الصبرَ واليقين، ويشفي الجرحَى والمرضى، إنه سميع مجيب.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


[1] صحيح البخاري: كتاب (6862) عن ابن عمر رضي الله عنهما.
[2] سنن الترمذي: كتاب الديات (1395) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وأخرجه أيضا النسائي في كتاب تحريم الدم (3987)، قال الترمذي: "وفي الباب عن سعد وابن عباس وأبي سعيد وأبي هريرة وعقبة بن عامر وابن مسعود وبريدة"، وأشار إلى أن وقفه أصح من رفعه، ورجّح وقفه أيضا البيهقي في الكبرى (8/22)، ورمز له السيوطي بالصحة، وصححه الألباني في غاية المرام (439).
[3] أخرجه الترمذي في الديات (1398) عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما، وقال: "حديث غريب"، وقال ابن كثير في إرشاد الفقيه (2/258): "في إسناده يزيد الرقاشي عن أبي الحكم وهو عبد الرحمن بن أبي نعم عنهما، ويزيد ضعيف جدّا، ولكن هذه الأخبار يشد بعضها بعضا "، ولذا صححه الألباني في صحيح الترغيب (2438، 2442).
[4] أخرجه البخاري في كتاب الديات (6872)، ومسلم في كتاب الإيمان (96) عن أسامة رضي الله عنه.
[5] صحيح مسلم: كتاب الإيمان (109) عن أبي هريرة رضي الله عنه. وأخرجه أيضا البخاري في كتاب الطب (5778).
[6] صحيح البخاري: كتاب الفتن (7072)، صحيح مسلم: كتاب البر (2617).
[7] صحيح مسلم: كتاب الإمارة (1848) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[8] مسند أحمد (5/180)، سنن أبي داود: كتاب السنة (4758) عن أبي ذر رضي الله عنه، وأخرجه أيضا ابن أبي عاصم في السنة (892، 1054)، وعبد الله في زوائد المسند (5/180)، والحاكم (401، 402)، والقضاعي في مسند الشهاب (448)، والبيهقي في الكبرى (8/157)، وفي سنده خالد بن وهبان مجهول، لكن له شواهد كثيرة من حديث الحارث الأشعري وابن عمر وابن عباس ومعاذ وإبي الدرداء وعامر بن ربيعة رضي الله عنهم، ولذا صححه الألباني في ظلال الجنة (2/434).
[9] أخرجه البخاري في الأدب المفرد (300)، والترمذي في كتاب الزهد، باب: التوكل على الله (2346)، وابن ماجه في كتاب الزهد، باب: القناعة (4141)، والحميدي في مسنده (439) من حديث عبيد الله بن محصن الأنصاري،  وقال الترمذي: "حديث حسن غريب". وله شواهد من حديث أبي الدرداء وابن عمر وعلي رضي الله عنهم. انظر: السلسلة الصحيحة للألباني (2318).
[10] أخرجه البخاري في العتق (2554، 2558)، ومسلم في الإمارة (1829) عن ابن عمر رضي الله عنهما.



الخطبة الثانية
الحمد لله الذي خلق فسوّى، والذي قدّر فهدى، أحمده سبحانه وأشكره على نعمٍ لا تُعدّ ولا تحصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، يعلم الجهرَ وما يخفى، وأشهد أنّ سيّدنا ونبينا محمّدًا عبده ورسوله، وعده ربه بقوله: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى:5]، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سلك سبيلَ الهدى.
أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله.
عباد الله، وفي الفلّوجة بل وفي العراق كلِّها وفي فلسطين يعيش الناسُ المأساة في أحلَك فصولها وأوضَح صُوَرها؛ تدميرٌ وقتلٌ وإبادة جماعية، بأيّ ذنب تُدكّ الأرض ومن عليها؟! وإلى متى تُقام هذه المجازر؟! متى تتوقَّف الحرب؟! متى تصمُت المدافع والدبابات؟! متى تسكُن الطائرات؟! متى يهنأ الأطفالُ وتأمن النساء؟! لقد جاوز الظالمون المدى، قطعوا شريان كلِّ حياة، دمَّروا الأخضرَ واليابس، أين الحريّة التي بها يتشدَّقون وتحت شِعارها يقهرون؟! أين العدالة التي باسمها يُفسِدون؟! أين حقوق الإنسان الذي يقتلونه ويسحقونه؟! أين المواثيق الدولية؟! أيُّ قانونٍ يسوِّغ لهم تلك الجرائمَ وقد ضجَّت الأرض وبكت السماءُ وتقطّعت الأكبادُ من هولها؟! وكأنّ العالم اليوم ألغى من قاموسِه معانيَ الرحمة ووشائجَ المودّة والعطف.
الظلمُ اليومَ بلغ من القسوةِ غايتَه ومن الجبروتِ أقصاه، لا تحرِّكه إلاّ لغة المصالح الأرضيّة والمطامع الدنيوية، ولو سقطت كلّ المبادئ والقيم، ولو على جماجمِ الثكلَى وصرخات الأطفال وأشلاء النساء وجُثث المصلّين الأطهار، نسأل الله السلامة والعافية.
ومهما بلغت جراحُ الأمّة فإنها لن تموتَ، كما أنّ ليل الظلم قد أزِف زواله، فإنّ الفجرَ قد دنا وأشرقت أنواره.
إننا نناشِد كلَّ من كان في قلبه ذرّةٌ من رحمة، ونخاطب كلَّ صاحبِ نخوة وغَيرة أن يَهُبَّ لرفع الظلم عن المظلومين وردع الظالم الذي تمادى في غيِّه وتجبَّر وتغطرس. ونحن هنا نملك أقوَى سلاحٍ وأمضى عَتاد، ألا وهو الدعاء.
Admin
Admin
Admin

المساهمات : 835
تاريخ التسجيل : 29/03/2014
الموقع : gmail.forumalgerie.net

https://gmail.forumalgerie.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

فتنة اختلال الأمن Empty نعمة الأمن

مُساهمة من طرف Admin الخميس يناير 08, 2015 12:05 am


الخطبة الأولى
أمّا بعد: فاتَّقوا الله ـ عبادَ الله ـ حقَّ التقوى، فمن اتَّقى ربَّه رشَد، ومن أعرضَ عن مولاه عاش في كمَد.
أيّها المسلمون، فرَض الله الفرائضَ وحرَّم المحرَّماتِ وأوجب الحقوقَ رِعايةً لمصالحِ العباد، وجعل الشريعةَ غِذاءً لحِفظ حياتِهم ودواءً لدَفع أدوائهم، وجاءت دعوةُ الرّسل بإخلاصِ العبادةِ لله وحدَه بخضوع وخشوعٍ وطمأنينة، ومَقَتت ما يصرِف القلوبَ عن خالقِها، فكانت أوَّل تضرُّعات الخليل عليه السلام لربّه جل وعلا أن يبسُطَ الأمنَ على مهوى أفئِدَة المسلمين فقال: ربِّ اجعل هذا البلدَ أمنًا، فاستجاب الله دعاءَه فقال سبحانه: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران:97].
وفضَّل الله البيتَ الحرام بما أحلَّ فيه من الأمنِ والاستقرار، وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا[البقرة:125]. وامتنَّ الله على ثمودَ قومِ صالح نحتَهم بيوتَهم من غير خوفٍ ولا فزع، فقال عنهم: وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ [الحجر:82]. وأنعمَ اللهُ على سبَأ وأغدَق عليهم الآلاء المتتابعةَ وأسكنهمُ الدّيار الآمنة، فقال جل وعلا: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَّامًا آمِنِينَ[سبأ:18]. ويوسفُ عليه السلام يخاطبُ والدَيه وأهلَه ممتنًّا بنعمة الله عليهم بدخولهم بلدًا آمنًا مستقرًّا تطمئنّ فيه نفوسهم وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [يوسف:99]. وحَبَس الله عن مكةَ الفيلَ وجعل كيدَ أصحابِ الفيل في تضليل لتبقَى كعبةُ الله صرحًا آمنًا عبر التاريخ.
والعربُ قبلَ الإسلام كانت تعيش حالةً من التمزُّق والفوضى والضّياع، تدور بينهم حروبٌ طاحنة ومعاركُ ضارية، وعلَت مكانةُ قريش من بينهم لاحتضانها بلدًا آمنا، أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ[العنكبوت:67]، بل وأقسم الله بذلك البلدِ المستقرِّ الآمن: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ  وَطُورِ سِينِينَ  وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين:1-3]، ووعد الله نبيَّه محمَّدًا وأصحابه بأداء النُّسُك على صفةٍ تتشوَّف لها نفوسهم وهي الأمنُ والاطمئنان، قال جلّ وعلا: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ [الفتحة:27].
وممّا اختصَّت به مدينةُ المصطفى  أمنُها حين فَزَع القرى من المسيح الدجال، قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يدخُل المدينةَ رعْبُ المسيح الدجال، لها يومئِذ سبعةُ أبواب، على كلِّ باب ملكان)) رواه البخاري[1].
ومن نعيمِ أهل الجنة في الجنّة أمنُ المكان، فلا خوفَ ولا فزعَ ولا تحوُّل، ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ[الحجر:46]، وقال سبحانه: وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ [سبأ:37]، إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ[الدخان:51].
أيّها المسلمون، لقد جمعت شريعةُ الإسلام المحاسنَ كلّها، فصانت الدينَ وحفِظت العقول وطهَّرتِ الأموال وصانت الأعراض وأمَّنت النفوس، أمرتِ المسلمَ بإلقاء كلمة السلام والأمن والرحمةِ والاطمئنان على أخيه المسلم إشارةً منها لنشرِ الأمن بين الناس، وأوجبت حفظَ النفس حتى في مظِنَّة أمنها في أحبِّ البقاع إلى الله، قال عليه الصلاة والسلام: ((إذا مَرَّ أحدُكم في مسجدِنا أو في سوقنا ومعه نَبلٌ فليمسِك على نِصالها ـ أو قال: ـ فليقبِض بكفِّه أن يصيبَ أحدًا من المسلمين منها بشيء)) متفق عليه[2].
وحذَّرت من إظهارِ أسباب الرَّوع بين صفوفِ المسلمين، قال : ((لا يُشِر أحدُكم إلى أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري لعلَّ الشيطانَ ينزِع في يده، فيقعُ في حفرةٍ من النار)) متفق عليه[3].
وحرَّمت على المسلم الإشارةَ على أخيه المسلم بالسّلاح ولو مازحًا، قال النبيّ : ((من أشار إلى أخيه بحديدةٍ فإنّ الملائكة تلعنُه حتى يدعَها، وإن كان أخاه لأبيه وأمه)) رواه المسلم[4]، قال النوويّ رحمه الله: "هذا مبالغة في إيضاح عُموم النهي في كلِّ أحدٍ، سواء من يُتَّهم فيه ومن لا يتَّهم، وسواء كان هذا هزلاً ولعبًا أم لا؛ لأن ترويعَ المسلم حرامٌ بكلِّ حال"[5].
ودعا الإسلامُ إلى كلِّ عمل يبعَث على الأمن والاطمِئنان بين صفوفِ أفراده، وأمر بإخفاء أسباب الفزَع في المجتمع، فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا يحلُّ لمسلمٍ أن يروِّع مسلِمًا)) رواه أحمد[6].
ولمَّا دخل النبيّ  مكَّة عامَ الفتح، منح أهلَ مكَّة أعظمَ ما تتوُق إليه نفوسهم، فأعطى الأمانَ لهم وقال: ((من دخَل دارَ أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقَى السّلاحَ فهو آمن، ومن دخل المسجدَ فهو آمن)) رواه مسلم[7].
وما شُرعت الحدود العادِلة الحازمة في الإسلام على تنوُّعها إلاَّ لتحقيقِ الأمن في المجتمعات.
أيها المسلمون، بالأمن والإيمان تتوحَّد النفوسُ، وتزدهِر الحياة، وتغدَق الأرزاق، ويتعارف الناس، وتُتَلقَّى العلومُ من منابعها الصافية، ويزدادُ الحبلُ الوثيق بين الأمة وعلمائها، وتتوثَّق الروابطُ بين أفراد المجتمع، وتتوحَّد الكلمةُ، ويأنس الجميعُ، ويتبادل الناسُ المنافع، وتُقام الشعائر بطمأنينة، وتقُام حدود الله في أرض الله على عباد الله.
وإذا اختلَّ الأمنُ تبدَّل الحالُ، ولم يهنأ أحدٌ براحةِ بال، فيلحقُ الناسَ الفزعُ في عبادتهم، فتُهجَر المساجد ويمنَع المسلم من إظهارِ شعائر دينه، قال سبحانه: فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ [يونس:83]، وتُعاق سُبُلُ الدعوة، وينضَب وُصول الخير إلى الآخرين، وينقطع تحصيلُ العلم وملازمة العلماء، ولا توصَل الأرحام، ويئنُّ المريض فلا دواءَ ولا طبيب، وتختلُّ المعايش، وتهجَر الديار، وتفارَق الأوطان، وتتفرَّق الأسَر، وتنقَضُ عهودٌ ومواثيق، وتبور التجارة، ويتعسَّر طلبُ الرزق، وتتبدَّل طباعُ الخَلق، فيظهرُ الكَذِب ويُلقَى الشحّ ويبادَر إلى تصديق الحَبَر المخوف وتكذيب خبر الأمن.
باختلال الأمن تُقتَل نفوسٌ بريئة، وترمَّل نساء، ويُيتَّم أطفال. إذا سُلِبت نعمةُ الأمن فشا الجهلُ وشاع الظلم وسلبتِ الممتلكات، وإذا حلَّ الخوفُ أُذيق المجتمعُ لباسَ الفقر والجوع، قال سبحانه: فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112]، قال القرطبي رحمه الله: "سمَّى الله الجوعَ والخوفَ لباسًا لأنه يظهِر عليهم من الهُزال وشحوبةِ اللون وسوءِ الحال ما هو كاللباس"[8].
الخوفُ يجلِب الغمَّ، وهو قرين الحزن، قال جل وعلا: إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40]، يقول معاوية رضي الله عنه: (إيّاكم والفتنةَ، فلا تهمّوا بها، فإنها تفسِد المعيشةَ، وتكدِّر النِّعمة، وتورثُ الاستئصال)[9].
ولو قلَّبتَ البصرَ في الآفاقِ لوجدتَ الأمنَ ضرورةً في كلّ شأن، ولن تصلَ إلى غايةِ كمالِ أمرٍ إلا بالأمن، بل لن تجدَ مجتمعًا ناهضًا وحبالُ الخوف تهزّ كيانَه.
أيّها المسلمون، نعمةُ الأمن من نعَم الله حقًّا، حقيقٌ بأن تُذكَر ويذكَّر بها وأن يُحافَظ عليها، قال سبحانه: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ[الأنفال:26].
ونعمةُ الأمن تُقابَل بالذكر والشكر، فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة:239]. وأمَر الله قريشًا بشكر نعمةِ الأمن والرخَاء بالإكثار من طاعته، قالَ جل جلاله: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ  الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش:3، 4].
والمعاصي والأمنُ لا يجتمِعان، فالذنوب مُزيلةٌ للنِّعم، وبها تحُلّ النقم، قال سبحانه: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الأنفال:53]، وما نزل بلاءٌ إلاَّ بذنب، ولا رُفِع إلا بتوبة. والطاعةُ هي حِصن الله الأعظمُ الذي من دخله كان من الآمنين.
وبالخوف منَ الله ومراقبتِه يتحقّق الأمن والأمان، فهابيل امتَنع من قتلِ قابيل لخوفِه من ربِّه جل وعلا، مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [المائدة:28].
والعنايةُ بالعلم والتمسُّك بالكتابِ والسنة شريعةً وقِيَمًا وأصولاً اجتماعية عصمةٌ من الفتن، وللتعليم الشرعيِّ أساسٌ في رسوخ الأمن والاطمئنان، قال ابن القيّم رحمه الله: "وإذا ظهر العلمُ في بلدٍ أو محلّة قلّ الشر في أهلها، وإذا خفي العلمُ هناك ظهَر الشرّ والفساد"[10].
والعلماءُ الربانيّون هم ورثةُ الأنبياء، وفي ملازمتِهم وزيارتهم وسؤالهم والاستنارةِ بآرائهم سدادٌ في الرأي وتوفيقٌ للصواب ودرءٌ للمفاسد. وببركةِ الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر تُمنَع الشرور والآفات عن المجتمعات. وحِفظُ العبد نفسَه من شهواتِ النفس وشبهاتِ القلبِ أصلٌ في صيانةِ المجتمع من المخاوف والمكاره. وتأويلُ نصوص الشريعة على غير وجهِها سببُ انحرافِ الفهوم، ومنها ينطلق الأعداءُ لتلويث عقولِ الناشئة، ويزداد أثره حينَ يضعُف التحصُّن بعلوم الدين.
وبعد: أيها المسلمون، فحِفظُ الأمن في بلاد الحرمين ألزمُ، فعلى ثراها تنزَّل الوحي، ومِن بين لابتَي طابةَ شعَّ النور في الآفاق، فيها بيتُ الله قائم، وفيها مسجدُ رسول الله  عامر.
ويجب أن ينهلَ الجميعُ من منبع الكتاب والسنّة من غير تحريفٍ أو تأويل لنصوصِهما، ومعرفة ضوابط الولاءِ والبراء من غير إفراطٍ فيها أو مجافاة عنها, وبالتمسك بالشريعة يسعَدُ الجميعُ بالأمن والرخاء.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ [النور:55].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.


[1] صحيح البخاري: كتاب فضائل المدينة (1879) عن أبي بكرة رضي الله عنه.
[2] صحيح البخاري: كتاب الفتن (7075) صحيح مسلم: كتاب البر (2615) من حديث أبي موسى رضي الله عنه.
[3] صحيح البخاري: كتاب الفتن (7072) ، صحيح مسلم: كتاب البر (2617) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[4] صحيح مسلم: كتاب البر (2616) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[5] شرح صحيح مسلم (16/170).
[6] مسند أحمد (5/362) من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بعض أصحاب رسول الله ، وأخرجه أيضا أبو دواد في كتاب الأدب (5004)، والقضاعي في مسند الشهاب (878)، والبيهقي في الكبرى (10/249)، وصححه الألباني في غاية المرام (447).
[7] صحيح مسلم: كتاب الجهاد (1780) عن أبي هريرة عن أبي سفيان رضي الله عنهما، وليس فيه: ((ومن دخل المسجد فهو آمن)).
[8] الجامع لأحكام القرآن (10/194).
[9] انظر: سير أعلام النبلاء (3/148-149).
[10] إعلام الموقعين (2/257).



الخطبة الثانية
الحمدُ لله على إحسانه، والشّكر له على توفيقه وامتنانِه، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحدَه لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أنَّ نبيَّنا محمّدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا مزيدًا.
أمّا بعد: أيّها المسلمون، الأمنُ مطلَبٌ في الحياة لا يستغني عنه الخلقُ لقضاءِ مصالحهم الدينية والدنيوية، وما مِن عبد إلاَّ ويبحثُ لنفسه عن أسبابِ أمنِها، ويتوقَّى جَهدَ طاقته أسبابَ الخوف التي قد تُحدق به في طريق حياته، ومهما أُوتي الإنسان من سلامةِ بَدن ووَفرة رزق فإنّه لا يشعُر بقيمتِها إلاَّ بالأمن والاستقرار.
والخوفُ منَ الله ومراقبته مفتاحُ الأمن للمسلم في دنياه وفي أخراه، وعَقد القلب على أركان الإيمان وتوفيرُ مقتضياته في عمل الجوارح هو المصدر الحقيقيّ لحصول الأمن في الدنيا والآخرة. والأمن التامّ هو في طاعة الله ولزوم ذكره، قال سبحانه: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28].
وإذا استقام الفردُ في نفسه وألزمَ مَن تحت يدِه من زوجةٍ وأبناء على السّير وَفقَ كتاب الله وسنّة رسوله  حَقَّق الأمنَ لنفسه، وانتظَمَ الأمنُ في المجتمع.
ثمّ اعلموا أنّ الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيّه، فقال في محكم التنزيل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].
اللهمّ صلِّ وسلِّم وزد وبارك على نبيّنا محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراش
دين..
Admin
Admin
Admin

المساهمات : 835
تاريخ التسجيل : 29/03/2014
الموقع : gmail.forumalgerie.net

https://gmail.forumalgerie.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى